الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
231
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة : لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً حال من ضمير الرفع في يَعْبُدُونَنِي تقييدا للعبادة بهذه الحالة لأن المشركين قد يعبدون اللّه ولكنهم يشركون معه غيره . وفي هاتين الجملتين ما يؤيد ما قدمناه آنفا من كون الإيمان هو الشريطة في كفالة اللّه للأمة هذا الوعد . وجملة : وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ تحذير بعد البشارة على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة والعكس دفعا للاتكال . والإشارة في قوله : بَعْدَ ذلِكَ إلى الإيمان المعبر عنه هنا ب يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً والمعبر عنه في أول الآيات بقوله : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ، أي ومن كفر بعد الإيمان وما حصل له من البشارة عليه فهم الفاسقون عن الحق . وصيغة الحصر المأخوذة من تعريف المسند بلام الجنس مستعملة مبالغة للدلالة على أنه الفسق الكامل . ووصف الفاسقين له رشيق الموقع ، لأن مادة الفسق تدل على الخروج من المكان من منفذ ضيق . [ 56 ] [ سورة النور ( 24 ) : آية 56 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 56 ) عطف على جملة : يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [ النور : 55 ] لما فيها من معنى الأمر بترك الشرك ، فكأنه قيل : اعبدوني ولا تشركوا وأقيموا الصلاة ، لأن الخبر إذا كان يتضمن معنى الأمر كان في قوة فعل الأمر حتى أنه قد يجزم جوابه كما في قوله تعالى : تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى قوله : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ الصفّ : 11 - 12 ] بجزم يَغْفِرْ لأن قوله : تُؤْمِنُونَ في قوة أن يقول : آمنوا باللّه . والخطاب موجه للذين آمنوا خاصة بعد أن كان موجها لأمة الدعوة على حد قوله تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [ يوسف : 29 ] ، فالطاعة المأمور بها هنا غير الطاعة التي في قوله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا [ النور : 54 ] إلخ لأن تلك دعوة للمعرضين وهذه ازدياد للمؤمنين . وقد جمعت هذه الآية جميع الأعمال الصالحات فأهمها بالتصريح وسائرها بعموم حذف المتعلق بقوله : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي في كل ما يأمركم وينهاكم . ورتب على ذلك رجاء حصول الرحمة لهم ، أي في الدنيا بتحقيق الوعد الذي من